غير مصنف

«سيه با سورسييه»: لماذا لا يزال البرنامج مرجعاً في التبسيط العلمي

«سيه با سورسييه» يحتل مكانة خاصة في ذاكرة أجيال عدة. فقد رسخت شاحنة المختبر الخاصة به، ونماذجه المصغرة الملونة، وتقاريره الميدانية، وشروح جامي غورمو، فكرة بسيطة: يمكن فهم أكثر الموضوعات تعقيداً، شرط أن تُروى بمنهج وفضول ووضوح.

لم يقتصر البرنامج على تقديم إجابات عن البراكين والغواصات والتاريخ والبيئة أو جسم الإنسان. بل منح، قبل كل شيء، التفكير العلمي شكلاً ملموساً: الانطلاق من سؤال، والملاحظة، وتفكيك آلية، ثم إعادة بنائها بطريقة مفهومة.

قبل الشاحنة: البدايات مع «فراكتال»

تبدأ القصة في مطلع تسعينيات القرن العشرين، حين كان القطاع السمعي البصري العام يسعى إلى تجديد برامجه العلمية. فأطلقت قناة فرانس 3، التي كانت قد أعادت تسمية نفسها حديثاً بعد أن حملت اسم FR3، دعوة لتقديم مشاريع من أجل ابتكار برامج علمية.

كان من بين المشاريع المختارة «فراكتال»، وهي مجلة قدّمها خصوصاً فريديريك كوران والصحافية باتريسيا سابورو. عمل جامي غورمو فيها في البداية خلف الكواليس، إذ كان يكتب الفقرات. وكان الرجلان قد التقيا سابقاً في «كانال سانتيه»، وهي قناة طبية عمل فيها فريديريك كوران رئيساً للتحرير.

حافظ الشكل الأول على طابع المجلة: موضوعات متنوعة وضيوف وتقارير. غير أن هذا النموذج كشف سريعاً عن حد جوهري في التلفزيون التعليمي: فإظهار مكان أو غرض أو آلة لا يكفي بالضرورة لشرح طريقة عملها. فقد يثير تقرير عن غواصة الإعجاب، لكنه لا يضمن أن يفهم الجمهور سبب هبوطها أو صعودها.

وسيصبح هذا الفارق بين الرؤية والفهم حاسماً. فلكي يُشرح حدث غير مرئي أو يصعب رصده، ينبغي التمكن من إبطائه وتجزئته وتبسيطه، وأحياناً إعادة بنائه على مقياس آخر.

ولادة «سيه با سورسييه»

في سبتمبر/أيلول 1993، ظهر «سيه با سورسييه» على الشاشة. لكن صيغته الأولى كانت بعيدة جداً عن الصيغة التي اشتهر بها: لا شاحنة، ولا مارسيل، ولا صوت نسائي صغير، ولا مختبر مليء بالأنابيب والنماذج المصغرة. كانت باتريسيا سابورو وفريديريك كوران يظهران على الشاشة آنذاك، فيما يتدخل جامي غورمو في فقرة ضمن البرنامج.

ابتداءً من الحلقة الرابعة، حل جامي غورمو محل باتريسيا سابورو. وبعد موسم أول ضم 36 حلقة، تطورت الصيغة من جديد. فقد أرادت فرانس 3 برنامجاً يجمع بين الإبهار والشرح وإمكانية الوصول إلى جمهور شاب.

واقترح المخرج برنار غونر الفكرة التي ستطبع البرنامج طويلاً: مختبر متنقل داخل مقطورة شاحنة أمريكية ضخمة. وكانت الصورة توحي بأن البرنامج يستطيع الذهاب إلى أي مكان. كما فصلت هذه الآلية بوضوح بين طريقتين متكاملتين لتناول المعرفة: الميدان والشرح.

فريد في الميدان، وجامي في المختبر

ابتداءً من عام 1994، بدأ فريديريك كوران يخرج إلى الميدان، ويزور مواقع صناعية، ويدخل المناجم، ويصعد على متن آليات، أو يلتقي بالمتخصصين. كان يكتشف الموضوع مع المشاهد، ويطرح أسئلة بسيطة، ويُظهر أحياناً دهشته أو تردده.

أما جامي غورمو، فكان يعيد تناول الظاهرة داخل المختبر. وباستخدام أشياء يومية ورسومات تخطيطية وأنابيب شفافة وكرات من البوليسترين وديكورات مصغرة، كان يجعل الآليات تتحرك. أحدهما يحيي السؤال، والآخر يجعل الإجابة مرئية.

ويرتبط هذا التوزيع أيضاً بخيار حياتي: فعند إطلاق هذه الصيغة، فضّل جامي غورمو العمل في الاستوديو، إذ اعتبره أكثر توافقاً مع دوره أباً شاباً. وقد أصبح هذا الخيار، الذي كان يُنظر إليه في الأصل بوصفه مؤقتاً، إطار عمله لسنوات طويلة في النهاية.

وأضفى الصوت خارج الكادر، الذي جسدته فاليري غيرلان، وجهة نظر ثالثة. فكان يعيد تحريك النقاش، أو يطرح الأسئلة، أو يداعب المقدّمين. أما مارسيل، عامل الآلات المخفي خلف الديكور، فكان يحرك عدداً كبيراً من النماذج المصغرة. وخلف كوكب يدور أو سائل يتدفق، كان يوجد غالباً تأثير عملي مصنوع ومشغّل باليد.

النماذج المصغرة: لغة بصرية لا مجرد ديكور

تشكل النماذج المصغرة قلب منهج «سيه با سورسييه». فهي لا تُستخدم لتوضيح شرح مكتمل مسبقاً، بل تسهم مباشرة في بنائه. يحدد الصحافيون ما ينبغي إظهاره، ويصمم صانعو النماذج الآليات، ويُعدّل النص بحسب ما يصبح مفهوماً فعلياً على الشاشة.

تتطلب حلقة مدتها 26 دقيقة نحو شهرين من التحضير، بين التوثيق والكتابة والتصاريح وصنع النماذج والتصوير والمونتاج. ولذلك يمكن إنتاج عدة حلقات في الوقت نفسه. ويشرح هذا التنظيم مستوى الدقة المطلوب، بما في ذلك تصحيح خطأ جغرافي في نموذج مصغر على وجه السرعة.

مختبر الشاحنة هو في الواقع ديكور استوديو. فلم تكن شاحنة مقطورة حقيقية لتسمح باستضافة الكاميرات والإضاءة والفريق التقني والنماذج المصغرة في ظروف مريحة. ولا ينتقص هذا الاصطناع المعلن من فعالية الآلية؛ بل يؤكد، على العكس، أهمية المحسوس في نقل المعرفة.

قد تبدو النماذج المصغرة يدوية الصنع مقارنة بالصور الرقمية، وهذا أيضاً مصدر قوتها. فهي تمنح الانطباع بأن الظاهرة المعقدة يمكن التعامل معها وملاحظتها وفهمها. وينسجم هذا النهج مع مبدأ أساسي في التعليم: إتاحة المعرفة من دون تفريغها من جوهرها.

برنامج لا يسخر أبداً من السؤال البسيط

يرتكز نجاح «سيه با سورسييه» أيضاً على موقفه. فلم يكن فريديريك كوران وجامي غورمو يقدمان نفسيهما بوصفهما عالمين كليي المعرفة. كانا محاطين بمتخصصين، لكن دورهما تمثل في نقل المعلومة بدلاً من فرض خبرة يتعذر الوصول إليها.

لا يُعامل السؤال الأولي فيه على أنه دليل على الجهل. بل يصبح نقطة انطلاق التفكير. يقدم المتخصص معرفته، لكن البرنامج يأخذ الوقت للبدء من الصفر والمقارنة والإظهار وإعادة الصياغة.

وقد ساهمت هذه الطريقة في السرد في جعل البرنامج أداة تُستخدم بانتظام في المدرسة. فكانت الحلقات تُسجّل وتُعرض في الفصول، ولا سيما في العلوم والتاريخ والجغرافيا. وبالنسبة إلى كثير من التلاميذ، كان دخول عربة التلفزيون إلى قاعة الدرس يبشر بفترة قد يشبه فيها التعلم الاستراحة.

وهكذا أسهم البرنامج في بناء ثقافة عامة مشتركة، شأنه شأن أعمال أخرى تحول المعارف إلى حكايات متاحة للجميع. وتظل هذه القدرة على تداول الأفكار والمسارات والمعالم التاريخية أساسية، كما يبين مثلاً عمل الذاكرة حول جان-باتيست بيلي، أول نائب أسود في فرنسا.

انضمام سابين كاندو واتساع العمل الميداني

بعد خمسة أعوام من بداية البرنامج، انضمت سابين كاندو إلى الفريق. وأخذت تتناوب عندئذ مع فريديريك كوران على التقارير الميدانية. ولم يحل انضمامها محل طريقة العمل الأصلية، بل وسّع إمكانيات البرنامج ومكّنه من تطوير موضوعات أكثر.

واكتسب البرنامج تدريجياً حجماً أكبر. ففي صيغة مطولة عن التنوع البيولوجي، أمضى فريديريك كوران، على وجه الخصوص، 28 يوماً في الكونغو برازافيل، حيث صوّر الفريق السافانا والأدغال والفيلة والغوريلا. وبحلول أواخر العقد الأول من الألفية، كان الفريق قد قطع أكثر من 400 ألف كيلومتر وزار نحو أربعين بلداً. كما حاز البرنامج عدة جوائز «سبت دور».

وترجم نجاحه إلى أقراص DVD وكتب وألعاب لوحية وألعاب فيديو. غير أن إرثه الأكثر دواماً أقل تجارية: فهو يكمن في طريقة وصل التجربة بالصورة والشرح.

لماذا أربكت تغييرات الصيغة الجمهور؟

في عام 2011، غيّرت فرانس 3 الآلية بعمق. فاختفت الشاحنة مؤقتاً، وتطور الشعار، وبات جامي غورمو يستخدم شاشات لمسية. واحتلت الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد مساحة أكبر، بينما واصل فريديريك كوران وسابين كاندو تقاريرهما الميدانية.

لم تقنع هذه الحداثة الجمهور بالكامل. فلم تكن النماذج المصغرة والتأثيرات العملية عناصر زخرفية بسيطة، بل كانت تشكل لغة البرنامج نفسها. قد تكون الصور ثلاثية الأبعاد دقيقة جداً، لكنها لا تمنح بالضرورة القرب نفسه الذي يمنحه غرض يُحرّك أمام العين، بما فيه من نقص ووضوح.

وعادت الشاحنة لاحقاً في نسخة أكبر وأكثر ألواناً، فيما ظهرت التأثيرات العملية مجدداً إلى جانب الرسوم المعلوماتية. لكن البرنامج كان قد أصبح هشاً بسبب تراجع نسب مشاهدته وتكلفة إنتاجه، التي قُدرت بـ100 ألف يورو للحلقة في نهاية عام 2012. وفي النهاية أعلنت فرانس 3 إيقاف «سيه با سورسييه»، قبل وقت قصير من ذكراه العشرين.

إرث يتجاوز البرنامج

بعد توقف البرنامج، واصلت مشاريع منفصلة هذه الرغبة في نقل المعرفة. فقد أُطلق «عالم جامي» عام 2014. وفي عام 2015، أنشأ فريديريك كوران «العقل العالِم» مع جزء من الفريق التاريخي. ثم أطلقت فرانس تلفزيون «ما زال الأمر ليس سحراً» عام 2019.

لكن تأثير «سيه با سورسييه» يظهر أيضاً في ممارسات التبسيط المعاصرة. فكثير من المدرسين والصحافيين والباحثين ومنشئي المحتوى ينطلقون اليوم من سؤال بسيط جداً، ويستخدمون أمثلة ملموسة، ويرفضون الخلط بين المعرفة والهيمنة.

ولا يغير المكان الحالي للأدوات الرقمية هذا الاحتياج إلى التربية. سواء تعلق الأمر بشرح اكتشاف أو تكنولوجيا أو قضايا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تبقى الصعوبة واحدة: جعل موضوع دقيق مفهوماً من دون إفقاره.

الأسئلة الشائعة

لماذا ترك «سيه با سورسييه» أثراً كبيراً لدى الجمهور؟

جمع البرنامج بين التقارير والفكاهة والنماذج المصغرة والشروح المتدرجة. وكان يجعل المشاهد مشاركاً في الاكتشاف، لا مجرد متلقٍّ للمعرفة.

هل كانت النماذج المصغرة للزينة فقط؟

لا. فقد كانت تُستخدم لتمثيل ظواهر يصعب رصدها مباشرة. وكان النص والأغراض يُعدّلان معاً كي يمكن تصور كل مرحلة من مراحل التفكير بصرياً.

لماذا كانت الشاحنة مهمة إلى هذا الحد؟

كانت الشاحنة معلماً بصرياً، لكنها كانت أيضاً رمزاً لمنهج البرنامج: الانطلاق إلى الميدان، وجمع الأسئلة، ثم توضيحها في مختبر متاح وممتع.

«سيه با سورسييه» يظل مرجعاً لا لأنه شرح كل شيء على نحو أفضل من سائر البرامج، بل لأنه جمع عناصر نادرة: الفضول والسفر والأغراض والنكات واحترام الجمهور. ولعل رسالته الأكثر دواماً هي الأبسط: العالم معقد، لكن لا شيء يمنعنا من محاولة فهمه.

Christiano Btf

En tant que fervent amateur de connaissances et de découvertes, je m'efforce de vous offrir un contenu informatif et stimulant. Ma quête consiste à fournir des informations de qualité, à décrypter l'actualité et à partager des analyses perspicaces. Pour moi, comprendre et analyser les données est bien plus qu'une passion, c'est un engagement envers l'enrichissement intellectuel. Rejoignez-moi dans cette aventure intellectuelle où la curiosité, la réflexion et la soif de connaissances se conjuguent pour offrir un regard approfondi sur le monde qui nous entoure.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى